الإصدارات

النشرة الإخبارية

  • تصغير
  • تكبير

الكلمة الإفتتاحية لرئيس المجلس السيد أحمد حرزني

بسم الله الرحمن الرحيم

السادة الوزراء

السيد الأمين العام للمجلس

أخواتي وإخواني أعضاء المجلس

حضرات السيدات والسادة

أشكر لكم حضوركم ومشاركتكم في أشغال هذا الاجتماع الثالث والثلاثين للمجلس، والذي يكتسي طابعا خاصا، نظرا لأهمية النقاط المدرجة في جدول أعماله، ولكونه ينعقد قبل حوالي سنة من الاحتفال بالذكرى العشرين لتأسيس المجلس، ولكن أهميته تكمن أساسا في الظرفية التي ينعقد فيها، والتي تتميز بإطلالنا جميعا على مناسبة غالية، ألا وهي مناسبة الذكرى العاشرة لاعتلاء صاحب الجلالة محمد السادس، أيده الله، عرش أسلافه الميامين.

إننا لفخورون بهذه المناسبة أن ننكب على دراسة ثلاثة مشاريع وثائق لا شك أنها، بعدما تستوفي المناقشة الضرورية لها، داخل، وفيما يخص اثنين منها خارج المجلس، ستشكل لبنات إضافية في صرح البناء الديمقراطي القائم على المصالحة المنصفة، وعلى احترام حقوق الإنسان وإشاعة قيم المواطنة، التي انخرط فيها المغرب منذ ما يزيد عن عشر سنوات، ولكنه عرف تعبئة وحيوية خاصتين خلال العشرية التي نودعها.

يتعلق الأمر أولا بتقرير شامل عما أنجز في مجال متابعة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة. وتعلمون جميعا أن تلك التوصيات تتوزع على ثلاثة محاور: جبر الأضرار، الكشف عن الحقيقة، إدخال إصلاحات على المنظومة القانونية الوطنية لضمان عدم التكرار ومناهضة الإفلات من العقاب في كل حالات انتهاكات حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

في كل هذه المحاور نستطيع أن نقول أن المجلس قام بما كان عليه أن يقوم به.

ففيما يخص جبر الأضرار الفردية، صدرت مقررات في جل الحالات المعروضة، وصرفت تعويضات مالية، وسيصرف ما تبقى قريبا لجميع المستحقين الذين لا تشوب ملفاتهم شائبة، وبالإضافة إلى ذلك، وكما تعلمون، فإن باب التغطية الصحية قد فتح أمام جميع ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الماضية وذويهم الأقربين، كما أن المجلس يشتغل حاليا مع الحكومة على قدم وساق لتسوية كل المشاكل الإدارية أو معالجة قضايا الإدماج الاجتماعي، بالنسبة للحالات المستوفية للشروط والمعايير المعتمدة، طبقا للاختيار المتفق عليه مؤخرا مع السلطات العمومية.

أما فيما يخص جبر الأضرار الجماعية، فهناك اليوم أزيد من ثلاثين مشروعا تنمويا و/أو متعلقا بالحفظ الإيجابي للذاكرة قيد التنفيذ في أحد عشر موقعا، جميعها كانت الهيئة قد حددتها. وبعد أسابيع معدودة سيتضاعف هذا العدد وربما أكثر مرتين عند الانتهاء من انتقاء المشاريع الفائزة في الشطر الثاني من المباراة، التي أطلقها برنامج جبر الأضرار الجماعية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وشركاء وطنيين.

وفيما يخص الكشف عن الحقيقة، فقد كانت هيئة الإنصاف والمصالحة قد تركت 66 حالة عالقة، ونستطيع اليوم القول إن هذه الحالات قد تقلصت إلى 9 حالات فقط، خاصة بعد أن بدأنا نتوصل بنتائج التحليل الجيني، الذي عهد بإجرائه لمختبر دولي، يعد من أحسن المختبرات المتخصصة في العالم، وذلك بخصوص رفات مجموعة هامة من الحالات. وطبعا سوف نعمل قريبا على تبليغ الأسر والرأي العام بالنتائج النهائية فور التوصل بها، كما سيتضمن التقرير، الذي نحن بصدده، تلك النتائج.

وأخيرا، فيما يخص الإصلاحات المؤسساتية والقانونية التي أوصت بها هيئة الإنصاف والمصالحة، فلا بد أولا من التذكير بأنها ولو كانت تعتبر مسارات وطنية لأوراش إصلاحية مهيكلة، فإنه فيما يخص دور المجلس فقد عمل على المساهمة طبقا لاختصاصاته، في تقديم اقتراحاته ومذكراته بخصوص ثلاثة مجالات: مجال ملاءمة التشريع الوطني مع التشريع الدولي في الميدان الجنائي، مجال القضاء، ومجال الحكامة الأمنية.

في المجال الأول، مجال ملاءمة التشريع الوطني مع التشريع الدولي، فقد أخد المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان على عاتقه، وبمساعدة خبراء مرموقين، أن يقوم بمراجعة شاملة ودقيقة لمشروع القانون الجنائي. وقد أثمر هذا المجهود الوثيقة موضوع أحد النقط الأساسية من جدول الأعمال المعروض عليكم.

في مجال القضاء، أعد المجلس مذكرة انصبت بالدرجة الأولى على إشكالية استقلاله، وقد رفعت المذكرة إلى صاحب الجلالة أيده الله، كما سلمت إلى السيد وزير العدل إبان فتحه للحوار الوطني في شأن إصلاح القضاء، الذي كلفه صاحب الجلالة بالإشراف عليه. وبالتعاون بين وزارة العدل والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وجميع المؤسسات والفعاليات الأخرى المعنية، نتمنى أن تعرف بلادنا قريبا إصلاحا عميقا للقضاء يؤّمن، على الخصوص، استقلاله وبذلك يوطد الطابع المؤسساتي للديمقراطية المغربية، ويقوي ثقة المواطن والأجنبي على السواء في عدالتنا.

في مجال الحكامة الأمنية، شرع المجلس في إعداد مذكرة في الموضوع بعد سلسلة من المشاورات مع المعنيين بالأمر، كما فعلنا في موضوع القضاء، ونعتزم إنهاء هذا المشروع في الأسابيع القليلة القادمة إن شاء الله، وإذاك طبعا فسيعرض على هيئات المجلس وعلى شركائنا قبل رفعه إلى صاحب الجلالة حفظه الله.

هذه، باختصار شديد جدا، هي منجزات المجلس في مجال تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.

حضرات السيدات والسادة

يحق لنا فعلا أن ندعي أن مرحلة من عمل المجلس قد انتهت أو كادت تنتهي، وأننا مقبلون على مرحلة جديدة من عمل المجلس.

المقررات التي لم تصدر بعد، سنستمر في العمل على أن تصدر في أقرب الآجال. والتعويضات التي لم تصرف بعد لمستحقيها، سنواصل الحرص على أن تصرف بدون تأخير.

كما سنواصل العمل من أجل أن يتمتع فعليا كل مستحق لها بالتغطية الصحية.

سوف نواظب على العمل مع الحكومة لإيجاد حلول لكل الحالات المتعلقة بالتسوية الإدارية أو بالإدماج الاجتماعي.

وفي إطار تصور شامل للمؤازرة القانونية والطبية المتصلة بضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الماضية، سنعمل على تطوير الاختيار المناسب لذلك بتوظيف التراكم الحاصل لدى المجلس أو لدى فعاليات أخرى رسمية أو مدنية، وذلك بعد استكمال المشاورات الخاصة بالموضوع.

كما سنواصل تنفيذ برنامج جبر الأضرار الجماعية إلى أن ينتهي أمده، وبصفة موازية له، وحتى بعد أن ينتهي أمده، سنعمل على إيجاد تمويلات للمشاريع الجيدة، التي ترشحت للاستفادة منه، ولكنها لم تفز نظرا لمحدودية الغلاف المالي المتوفر، غايتنا الأساسية خلق ديناميكية محلية تؤمن التمكين المحلي لكل الفاعلين في هذه البرامج والمشاريع.

وسنبقى حريصين، في إطار آليات العدالة الانتقالية، الكشف عن الحقيقة بالنسبة للحالات القليلة، ولكن الدالة التي لم تنجل إلى حد الساعة في شأنها الحقيقة، بكل الوسائل التي تتيحها تلك الآليات.

وفي نفس الوقت، سنشجع البحث العلمي في مجال التاريخ الراهن والنهوض بالأرشيف وحفظ الذاكرة، حيث سنوقع قريبا اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن.

وبصفة عامة سنواكب جميع الإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي من شأنها أن تنقل المغرب إلى مصاف أرقى الدول الديمقراطية الحاضنة لحقوق الإنسان.

ولكن ورغم ثقل هذه المهام فإن تركيز المجلس سينتقل ابتداء من الخريف المقبل إن شاء الله، وتدريجيا طبعا، إلى مهامه الجوهرية الأصلية، ألا وهي مهام النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها في شموليتها، مع اهتمام خاص بحقوق مدنية لم تلق العناية الكافية إلى حد الساعة، كالحق في الحماية من الاتجار في البشر، وحقوق المهاجرين واللاجئين، من جهة، والحقوق الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والبيئية للمواطنين المغاربة من جهة أخرى، دون إغفال بعض الحقوق السياسية التي تحتاج إلى تأطير قانوني متجدد، كحقوق وحريات التعبير مثلا، أو حق ملاحظة الانتخابات، أو الحق في الوصول للمعلومات وغيرها.

لقد انخرطنا فعلا في هذا الاتجاه. ولا أدلّ على ذلك من تقدمنا، في شراكة مع الحكومة ومع المجتمع المدني، وبدعم من الاتحاد الأوروبي، في بلورة خطة العمل الوطنية لإرساء حقوق الإنسان والديمقراطية، التي يرأس لجنة الإشراف عليها السيد وزير العدل والتي يرأس كتابتها السيد الأمين العام للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وهي الخطة التي ستوفر لنا ولا شك فرصا كثيرة للوقوف على الخطوات التي قطعتها.

ومن مؤشرات انخراطنا كذلك في مرحلة جديدة إقبالنا على إطلاق مسار تنفيذ مقتضيات الأرضية المواطنة للنهوض بثقافة حقوق الإنسان، قبل انصرام هذا الشهر إن شاء الله، وإذا سمحت التزامات السيد الوزير الأول، وذلك بتنصيب لجنة الإشراف على هذا التنفيذ.

وفي سياق استعراض بعض مؤشرات دخولنا مرحلة جديدة لا يفوتني التذكير بالندوات المتعددة التي نظمناها والدراسات التي أطلقناها حول جل القضايا الجديدة نسبيا التي أشرت إليها، والتي تعد مقاربات أولية لتلك القضايا لاشك أنها تحتاج إلى تعميق، وإلى منهجة، وإلى برمجة دقيقة سننكب عليها منذ الخريف المقبل إن شاء الله، وبصفة موازية سننكب على مهمة تأهيل المجلس لتنمية قدراته على التصدي بنجاح لمهام المستقبل.

حضرات السيدات والسادة

فيما يتعلق بالنقطتين الأخيرتين المقترحتين في جدول أعمالنا. سأكتفي بالتأكيد بشكل خاص على مسألة واحدة، وهي أن الوثيقتين المعنيتين معا، الوثيقة المتعلقة بالقانون الجنائي ومشروع ميثاق المواطنة، ليستا معروضتين للمصادقة النهائية.

لو ادعينا العكس لكنا من المتطاولين ومن المصادرين لحقوق غيرنا. المطلوب منا فقط في هذه الدورة هو أن نطور الوثيقتين قدر الإمكان، وبعد ذلك نعرضهما على شركائنا ليبدوا فيهما الرأي ويطوروهما بدورهم، قبل أن تعودا للمجلس للمصادقة. وربما أجازف فأقول إن مشروع ميثاق المواطنة على الخصوص، ونظرا لطبيعته الخاصة يحسن أن يبقى مشروعا حتى بعد المصادقة عليه في دورة مقبلة، حتى تتاح مناقشته، ويتاح تملكه، على أوسع نطاق ممكن.

حضرات السيدات والسادة

قبل الختام أود أن أطلعكم على بعض الأنشطة التي قمنا بها، وبعض المواعيد التي تنتظرنا في مجال العلاقات الخارجية والتعاون.

لقد قمنا بزيارة عدد من البلدان الغربية، والتقينا فيها بممثلي الحكومات والمجتمع المدني والمؤسسات الوطنية، والذي لمسناه بصفة عامة هو التثمين العالي لتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، والتحسن الكبير لصورة المغرب، مع استمرار بعض المآخذ، خاصة في مجالي حرية التعبير ومحاربة ظاهرة الاتجار في البشر.

كما شرعنا في بناء جسور مع قارة أمريكا اللاتينية، وهكذا توصلنا بدعوتين لزيارة كولمبيا والبيرو، خلال أكتوبر القادم ، وفي الشهر الموالي سنستقبل أصدقاءنا من تشيلي، ونعتزم بناء حوار عربي أمريكي لاتيني في ميدان حقوق الإنسان، على غرار الحوار الإقتصادي القائم، وعلى منوال الحوار العربي الأوروبي للمؤسسات الوطنية، الذي لعب المجلس دورا رياديا في تأسيسه ولا زال يساهم في تعزيز آلياته.

وبالنسبة إلى إفريقيا، فقد دعينا مؤخرا للمشاركة في أول نشاط عمومي قامت به لجنة الحقيقة الطوغولية المنصبة حديثا، والتي تصر على أن تستفيد من التجربة المغربية. وتعلمون أننا نستقبل في بداية نونبر القادم الشبكة الإفريقية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، التي ستؤول إلينا رئاستها لعامين.

أما على الصعيد الدولي فنحن نشيطون في إطار لجنة التنسيق الدولية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، التي سيجتمع مكتبها في المغرب، مباشرة قبل اجتماع الشبكة الإفريقية لمؤسسات حقوق الإنسان، والتي عرض علينا ترؤس لجنتها الفرعية المكلفة بمنح الاعتمادات ابتداء من أكتوبر المقبل.

أشير أخيرا إلى الندوة الهامة التي ستنعقد بعد أيام في مراكش حول مشروع التصريح الأممي الخاص بالتربية على حقوق الإنسان، لأنوه بعضوتين من مجلسنا لعبتا وتلعبان دورا هاما في صياغة هذا المشروع، ألا وهما السيدة حليمة الورزازي كرئيسة للجنة الأممية المكلفة بالإشراف على صياغة المشروع، والسيدة أمينة لمريني التي قادت المشاورات بين المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان حول المسودات الجاهزة للمشروع. باسمكم جميعا أحيي السيدتين الورزازي ولمريني.

حضرات السيدات والسادة

في الختام، وفي هذه اللحظة المفصلية، إسمحوا لي أن أتوجه بالتحية والإجلال إلى جميع أعضاء هيئة الإنصاف والمصالحة، الذين ساهموا بقسط غير قليل في المجد الحديث للمغرب، وعلى رأسهم طبعا فقيدنا العزيز إدريس بنزكري، رحمه الله.

إسمحوا لي أيضا أن أشكر جميع شركائنا في مختلف برامجنا وأنشطتنا، من حكومة، ومؤسسات وطنية وأجنبية، ووكالات تنمية وجمعيات مدنية وفعاليات غيورة على حقوق الإنسان وعلى الديمقراطية. فلولاهم لما استطعنا أن ننجز ما أنجز، وبدون موفور مساعدتهم فلن نستطيع أن ننجز ما نعتزم إنجازه.

ويمتد شكري طبعا كذلك إلى أعضاء المجلس ومجموعات عمله، وخاصة منها لجنة تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ولجنته التنسيقية، وإلى أخي وصديقي السيد الأمين العام وإلى جميع الأطر والموظفين والمستخدمين، وعهدا أننا سنظل نعمل من أجل أن يبقى هذا المجلس «رمزا لدوام دولة الحق والمؤسسات»، كما يريد له صاحب الجلالة أيده الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رئيس المجلس

أحمد حرزني

أعلى الصفحة