أنتم هنا : الرئيسيةالتوثيقدورات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان: 1990-2010الدورة العشرون - 14 أكتوبر 2003الكلمة الإفتتاحية لرئيس المجلس السيد عمر عزيمان

الإصدارات

النشرة الإخبارية

  • تصغير
  • تكبير

الكلمة الإفتتاحية لرئيس المجلس السيد عمر عزيمان

بسم الله الرحمـن الرحيـم

حضرات السيدات والسادة،

يسعدني أن أرحب بكم في افتتاح هذه الدورة العادية متمنيا لها النجاح والتوفيق.

ويطيب لي أن أفتتح أشغالها بالتذكير بالأحداث الثلاثة الهامة التي شهدها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بعد اجتماعه الأخير.

يتعلق الأول بمصادقة جلالة الملك نصره الله على أشغال وتوصيات الاجتماع التاسع عشر، مقرونة بتهنئته الكريمة لنا جميعا على المجهودات المبذولة، وعلى حجم وطموح برنامج العمل الذي أعده المجلس.

أما الحدث الثاني فيتعلق بالمهام التي تفضل صاحب الجلالة، في خطاب العرش، فكلف بها مجلسنا، حيث أصبح المجلس، بمقتضى ذلك، مكلفا بمهمة من أنبل المهام إنسانيا وسياسيا وأخلاقيا وهي إعداد مشروع ميثاق وطني لحقوق وواجبات المواطن، مثلما كُلف تكليفا بإعداد تقييم نقدي لتشريعنا الجنائي من زاوية قدرته على محاربة كل أشكال العنصرية والكراهية والعنف، وتقديم اقتراحات بهدف سد الفراغ التشريعي في هذه المجالات.

وأود هنا، باسمكم جميعا، أن أعبر لمولانا صاحب الجلالة حفظه الله عن وفائنا الخالص، وعن اعتزازنا بالثقة السامية التي جددها فينا من خلال هذا التكليف الذي يعد تشريفا وتكريما في نفس الوقت.

واسمحوا لي أن أعبر، باسمكم أيضا، عن التزامنا الصريح والمسؤول، بكل حماس وفخر، بالقيام بذكاء وحكمة، بالمهام التي أسندها إلينا صاحب الجلالة. ولأجل ذلك وضعنا هذه المهام الجديدة في مقدمة جدول أعمالنا لهذه الدورة.

أما الحدث الثالث فيتجلى في الخطاب التاريخي الهام ليوم الجمعة الماضي 10 أكتوبر 2003 الذي افتتح به جلالة الملكن حفظه اللهن الدورة التشريعية الحالية، والأمر الملكي للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بعقد اجتماع خاص للاستماع للعرض الذي قدمه يوم أمس (13 أكتوبر)، مستشار صاحب الجلالة الأستاذ محمد معتصم حول التوجهات العامة للإصلاحات التي تضمنها مشروع مدونة الأسرة.

وقد سجلنا خلال هذا الاجتماع التاريخي، بعد العرض الذي قدمه السيد المستشار وما تلاه من تدخلات السادة الأعضاء، الخطوات الهامة والإنجازات الجديدة التي حققها مشروع مدونة الأسرة من منظور حقوق الإنسان سواء تعلق الأمر بالمرأة أي الزوجة، أو بالرجل أي الزوج، أو بالطفل.

فهو مشروع تاريخي يتضمن تحولا جذريا وإصلاحا جوهريا لقانون الأسرة. وقد وصفه جلالة الملك في كلمة جامعة بأنه يتضمن (مدونة عصرية للأسرة منسجمة مع ديننا الحنيف).

وقد سجلنا، خلال هذا الاجتماع أيضا، تنويه السادة أعضاء المجلس باجتهاد مولانا أمير المؤمنين، وتحمسهم للإصلاحات التي تضمنها المشروع بجميع أبعادها الحقوقية والتنموية اقتصاديا واجتماعيا وتربويا، والتزامهم بالانخراط في الحملة الإعلامية للتعريف بمضمون تلك الإصلاحات.

كما سجلنا أيضا امتنان السادة الأعضاء لمولانا صاحب الجلالة للتشريف المولوي الذي خص به المجلس بأن جعله أول مؤسسة، بعد البرلمان، تتعرف – من خلال عرض مستشاره وعضو المجلس الأستاذ محمد معتصم- على أهمية هذا الإصلاح وفلسفته وأبعاده وآفاق تطبيقه.

حضرات السيدات والسادة،

لقد كان للمصادقة الملكية السامية على توصيات الاجتماع التاسع عشر الأثر البالغ على تقدم أعمالنا تقدما واضحا على عدة مستويات، استسمحكم في عرض أهمها.

فقد تقدمنا على مستوى إعداد الدورة الأولى لجائزة محمد السادس لحقوق الإنسان برسم سنة 2003، التي خصصت هذه السنة للنهوض بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وبالخصوص للأعمال التنموية.

ويطيب لي، بهذا الصدد، أن أعلن أمامكم أن الترشيح لهذه الجائزة عرف إقبالا ونجاحا واضحين، وأن على لجنة التحكيم، التي سنشكلها اليوم، أن تختار الفائز الأكثر استحقاقا.

كما يطيب لي، بهذه المناسبة، أن أتوجه بالتحية الخاصة والصادقة إلى السادة أعضاء «لجنة جائزة محمد السادس لحقوق الإنسان» التي أعطت لهذا الحدث ما يستحقه من أهمية وأبعاد.

كما تقدمنا في تفعيل التوصية التي أقرها الاجتماع التاسع عشر المتعلقة بممارسة المهام الاستشارية للمجلس في المجالين التشريعي والتنظيمي.

ويسعدني، هنا، أن أشكر حضرة مستشار صاحب الجلالة، السيد محمد معتصم، الذي أبلغ القرار الملكي للسيد الوزير الأول وإلى الأمين العام للحكومة.

كما تقدمنا أيضا في إعداد مشروع التوصية المتعلقة بتسوية ملف انتهاكات الماضي المتعلقة بالاختفاء والإعتقال التعسفي، وهو الذي سنعرضه عليكم اليوم.

ويسعدني، هنا أيضا، أن أحيي أعضاء اللجنة التي قامت بإعداد هذا المشروع على ما حققته من نتائج في غاية الأهمية بفضل تحليهم بالصبر والحكمة والتبصر وبعد النظر.

وتقدمنا أيضا في تسوية المشاكل التي عانى منها بعض قدماء المعتقلين السياسيين، وخصوصا في المراكز الحدودية، إذ قامت المصالح الأمنية بتحيين معطياتها وتطهيرها من جميع الشوائب.

وأود، هنا أيضا، أن أحيي دعم ومساندة وتعاون وزارة الداخلية والإدارة العامة للأمن الوطني.

كما تقدمنا في إعداد التقرير السنوي حول وضعية حقوق الإنسان. ومن السعادة بمكان أن أعلن لكم، أنه بفضل العمل الدؤوب الذي قامت به اللجنة المعنية، وكذا بفضل تعاون السلطات العمومية والجمعيات، فإننا سنوفي، بحول الله وقوته، بوعدنا لتقديم هذا التقرير في نهاية السنة الجارية.

واسمحوا لي أن أحيطكم علما أن الأعمال جارية على جميع المستويات التي تهم التقرير، ومن بينها تتبع المحاكمات التي لها علاقة بأحداث 16 ماي، و تتبع المحاكمات المتعلقة بالصحافة، و تتبع وضعية السجون واحترام حقوق السجناء، ودرجة فاعلية القانون المتعلق بالمؤسسات السجنية.

فتحية تقدير واعتبار منا لدينامية المجموعة المكلفة بحماية حقوق الإنسان والتصدي للانتهاكات، وكذا للدعم الذي تلقيناه من وزارة العدل والسيد مدير إدارة السجون.

يضاف إلى ذلك كله، أننا تقدمنا أيضا في إعداد البرنامج التلفزي للنهوض بثقافة حقوق الإنسان والإعلام والتحسيس والتوعية بها.

ويسعدني أن أقدم تهانئي الصادقة للعمل الذي قامت به مجموعة عمل النهوض بثقافة حقوق الإنسان، وتشكراتي إلى السيد وزير الإتصال والسيد المدير العام للإذاعة والتلفزة المغربية على الدعم والمساعدة.

وعموما فنحن فخورون ومسرورون بما أنجزناه من أعمال على أمل أن نجني ثماره في مستقبل قريب إن شاء الله، وأن نتقدم إلى الأمام على درب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

حضرات السيدات والسادة،

لا يجب أن تفوتني الإشارة هنا إلى أن الشهور الماضية زادت من سرورنا لما حملته لنا من أخبار وقضايا.

وفي مقدمة ذلك انتخاب اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة للسيدة حليمة الورزازي، عضوة مجلسنا، رئيسة لها. وقد أبدى جميع المتتبعين لأعمال تلك اللجنة، إعجابهم بشخصية وكفاءة وشجاعة ومهارة السيدة الورزازي، التي عملت على تعزيز مكانة المؤسسات الوطنية داخل لجنة حقوق الإنسان، فضلا عن أداء لمهمة الرئاسة بنجاح وتفوق صفق لهما الجميع. فباسمكم جميعا، أقدم للسيدة حليمة الورزازي تهانئنا الصادقة الحارة.

وأود كذلك تهنئة عضو آخر بمجلسنا هو السيد إبراهيم حكيم الذي قام، على رأس وفد مهم، بجولة واسعة للدفاع عن قضيتنا الوطنية والدفاع عن المغاربة المحتجزين في تندوف لدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن.
كما أود تهنئة السيد بنسالم حميش الذي فاز، من جديد، بجائزة مميزة، ذات صيت، مكافأة لأعماله وكتاباته.

غير أن دواعي الفرح هذه تلبدت، للأسف الشديد، بالوفاة المأساوية التي أصابت المندوب السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان السيدSergio Vieira de Mello صحبة أفراد آخرين من أعضاء البعثة الأممية من جراء الاعتداء على مقر الأمم المتحدة ببغداد.

وإن الوفاة المأساوية لهذا الرجل الشجاع الملتزم، الذي خططنا معه سويا لبعض مشاريع التعاون البناء، أصابتنا بحزن عميق، وقد سارعنا في حينه بتقديم تعازينا، باسم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، للسيد الأمين العام للأمم المتحدة وللمندوب السامي بالنيابة ولعائلة الهالك. ونغتنم هذه الفرصة لكي نؤكد من جديد، باسم حقوق الإنسان، إدانتنا بدون تحفظ للإرهاب من حيثما أتى، وكذا للوقوف، باسم حقوق الإنسان، بجانب الشعب العراقي حتى يسترجع حريته وسيادته ويتحمل تسيير شؤونه بنفسه.

ومن جانب آخر، فقد اسودت وتلبدت سماء بلدنا بسبب الاغتيال المدبر لمواطنين يهود. ولا يسعنا، في الوقت الحالي، إلا أن نقدم تعازينا الصادقة لأسرتي الضحيتين البريئين، في انتظار أن يكشف التحقيق القضائي عن الحيثيات والدوافع التي كانت وراء الجريمتين.

ولو تأكدت الفرضية المرعبة لجريمة عنصرية محتملة يراد بها زرع الرعب وسط مكون من مكونات هويتنا الجماعية، وزعزعة تعايشنا الأخوي، ومحو عمق وثراء ماض عريق، فإن علينا أن نرفع صوتنا عاليا ضد الرعب الذي تزرعه العنصرية من حيثما أتت، وأن ندين إدانة صارمة جميع الأفعال العنصرية، وأن نقف في وجه هذه الانحرافات الخطيرة كيفما كانت أشكالها.

حضرات السيدات والسادة،

مما لا شك فيه أننا، بعملنا المشترك وبحثنا المتواصل عما يناسب هوية مجلسنا، نكون قد تقدمنا أيضا على مستوى التفكير في مميزات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وحول موقعه في المشهد المؤسساتي، الشيء الذي يسمح لنا بالقيام بعمل توضيحي للبدء في رفع الغموض الذي يعم هذا المجال بسبب تنوع وتعدد الفاعلين سواء من جهة الدولة أو من جهة المجتمع، وكذا بالنظر إلى الطبيعة المتميزة للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
فكلما تقدمنا إلا وأدركنا مَنْ نحن، وما هي مبررات وجودنا، وأين تختلف وتتقاطع مهامنا مع باقي الفاعلين في الدولة والمجتمع.

فمن الصحيح أنه في إطار دولة الحق والقانون التي نتطلع إليها، يجب على جميع المؤسسات الحكومية والمدنية أن يكون لها دور تؤديه في مجال حقوق الإنسان. غير أن هناك مكانا، في دولة الحق والقانون تلك، لمؤسسات معنية أكثر من غيرها. ومن الضروري أن يكون بينها توزيع واضح للمهام، ورسم دقيق للحدود، وتمفصل مضبوط للمهام، وتعاون منظم يسمح بتحديد المسؤوليات وتجنب تنازع الاختصاصات والتداخلات وضياع الوقت.

وإذا كان المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان يعتبر من بين الفاعلين البارزين في هذا المجال، فإنه يحتل مكانة خاصة، لأنه مجلس محدث إلى جانب جلالة الملك للقيام بوظيفة استشارية. وهنا تكمن خصوصيته، ومنها يستمد طبيعته.
فالمهم أو الأساس هو أن المجلس يمارس مهام اليقظة والملاحظة )أو الرصد( وجمع المعلومات والمعطيات، والتحليل والتفكير والدراسة من أجل إعطاء أراء أو إصدار اقتراحات وتوصيات مستوحاة من قانون وثقافة حقوق الإنسان.

فالمجلس لا يشرع ولا يقرر ولا يفصل، لكنه يقدر ويقوم، من خلال وجهة نظره الخاصة ومن خلال إطاره المرجعي الخاص، من أجل استخلاص الدروس المناسبة، وصياغة المقترحات الهادفة.

وإذا قام المجلس الاستشاري بدوره بالجدية المطلوبة، فإن هذه الوظيفة الاستشارية ستكسي أهمية عظمى، وستساهم بشكل فعال في تعميق الديمقراطية، لأن المجلس مطالب بأن يؤدي، من خلال كل تلك المهام، دور قوة اقتراحية محفزة وموجهة في نفس الوقت. وستزداد أهمية هذه القوة بحسب ما تحتاجه من المسافة والوقت اللازمين للتفكير الرصين وتفادي مخاطر العمل الذي يمليه الاستعجال والظرفية السياسية.

ومن جهة أخرى، تستمد هذه الوظيفة الاستشارية مبرر وجودها من ممارستها بكل استقلال. فالاستقلال هو جوهر هذه الوظيفة الاستشارية. ولضمان هذا الاستقلال أحدث المجلس إلى جانب جلالة الملك، فهو ليس هيكلا حكوميا أو وحدة برلمانية أو قضائية.

فليست هناك أية علاقة تبعية تربطه بالحكومة، وهذا يعني أنه لا يمكنه بأي شكل من الأشكال أن يحل محل الحكومة، وإن كان عليه أن يقدر عمل الحكومة في مجال حقوق الإنسان.

وليست هناك أيضا أية علاقة تبعية بين المجلس وبين البرلمان. مما يعني كذلك أن المجلس لا يمكنه بأي شكل من الأشكال أن يحل محل البرلمان، وإن كان عليه أن يقدر مدى ملاءمة العمل التشريعي لمبادئ وقواعد حقوق الإنسان.
والمجلس مستقل كذلك عن السلطة القضائية، بمعنى أنه لا يمارس أي وظيفة قضائية، ويتموقع خارج مكونات الجهاز القضائي، وإن كان عليه أيضا أن يقدر الأحكام الصادرة عن مختلف المحاكم من وجهة نظر مدى ملاءمتها لقواعد حقوق الإنسان.

ترى هل يؤدي هذا التحديد إلى الاستنتاج بأن المجلس هو عبارة عن ذرة منفلتة تتحرك خارج نطاق الدولة ؟
الجواب طبعا بالنفي.

فالمجلس هو من خلق الدولة. وهو محدث إلى جانب جلالة الملك، أي إلى جانب المؤسسة التي تجسد الدولة. وأعضاؤه معينون من لدن جلالة الملك، وصلاحياته يحددها القانون، وموارده المالية من ميزانية الدولة.

فالمجلس الاستشاري إذن هو أحد دواليب الدولة، لكنه دولب من نوع خاص، فبتركيبته المتعددة، وبالمواصفات الخاصة بأعضائه، وبانفتاحه على المجتمع، يجد المجلس نفسه أكثر رسوا في المجتمع.

وبهذا فالمجلس يبدو وكأنه جسر بين الدولة وبين القوى الإجتماعية، ملتقى بين الدولة والمجتمع، فضاء للحوار والتبادل من أجل خدمة التقارب ودعم التفاهم، والسير إلى الأمام على طريق الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ومن هذه الزاوية، فالمجلس يعتبر لبنة إضافية في صرح الديمقراطية، لأنه يجسد إرادة الدولة في تكثيف الجسور وفي خلق آليات اليقظة والتقييم ومنحها الوسائل الملائمة لأداء مهامها.

لذا، فإنه من الواجب علينا جميعا أن نعمل على إنجاح هذه التجربة الجديدة، التي أعطت ثمارها في بعض الدول، وهي تشكل قيمة مضافة في بناء الديمقراطية، لأنها تشيد بيننا وبين شركائنا العموميين علاقات التعاون والثقة مع الاحترام الدقيق لوظيفة واختصاصات كل واحد رغم اختلاف التموقع والمقاربات.

لكن أليس هناك انزلاق نحو مجال عمل جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان؟
هنا أيضا الجواب بالنفي.

حقا، إن المجلس يشارك جمعيات حقوق الإنسان في الاهتمامات المشتركة بالنهوض بحقوق الإنسان وحمايتها والدفاع عنها، لكنه يختلف عنها في كثير من الأوجه.

فالمجلس لا يتصدى لكل حالة على حدة من أجل اتخاذ موقف أو استنكار أو إدانة. فهو لا يتصارع مع الوقت، بل يحتاج في عمله إلى التريت والهدوء، والقيام بالتحقيقات الدقيقة، والدراسات الموثقة، ومقارنة مختلف وجهات النظر، والبحث عن أسباب الاختلالات والخروقات من أجل تقديم اقتراحات عامة ومجردة تصب في الجوهر، ليس من أجل إيجاد حل لمشكل بعينه، بل لتفادي تكرار مثل تلك الخروقات والاختلالات.

فالمجلس لا يوجد في حالة سباق، بل يعمل في العمق، ويغوص في جوهر الأشياء، ويرصد الخلل البنيوي، ويقترح الحلول المناسبة إما في شكل قواعد عامة أو في شكل برامج عمل.

والمجلس ليس في حالة سباق مع جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، ولا يعتبر منافسا لها، لأنه لا يعمل على نفس الخط وإنما على خط مواز.

وإذا كنا نلتقي في الغايات والأهداف، فإننا نختلف على مستويات المنهجية والمقاربة وأسلوب العمل. وليس معنى هذا أننا ندير ظهرنا للجمعيات غير الحكومية، كلا، فنحن نعتبر جمعيات حقوق الإنسان شريكا متميزا، نعترف بأهميته وضرورته وفائدته، ونقدر مساهمته ونحيي حيويته، ونساند عمله. إلا أننا نوجد على خطين متوازيين. ومعنى هذا أننا نسير في نفس الاتجاه، كل حسب موقعه ومقاربته وأسلوب عمله، يجمعنا منطق التعاون والتكامل. ولهذا فنحن مطالبون بأن نعمل في اتجاه توطيد علاقاتنا مع الاحترام الدقيق لخصوصية كل منا.

فمن بين أعضائنا هناك أعضاء سامون في الحكومة، مشهود لهم بحرصهم على حماية حقوق الإنسان، ومع ذلك فلسنا هيئة أو وحدة حكومية.

ومن بين أعضائنا كذلك هناك مسؤولون سامون في الجمعيات والأحزاب السياسية والنقابات مشهود لهم بالانخراط في الدفاع عن حقوق الإنسان، ومع ذلك فلسنا جمعية.

فنحن إذن مؤسسة استشارية رسمية مستقلة محدثة إلى جانب جلالة الملك. ونحن مؤسسة وطنية للنهوض بحقوق الإنسان وحمايتها، صيغت وفق مبادئ باريس.

وكوننا في مجلسنا هذا، جنبا إلى جنب، شخصيات حكومية وشخصيات المجتمعين المدني والسياسي، لهو أهم دليل على طبيعتنا كحلقة وصل بين الدولة والمجتمع.

حضرات السيدات والسادة،

إذا كنت قد اغتنمت هذه الفرصة لبسط هذا العمل التوضيحي، فلأن ذلك يتجاوب مع حاجة حقيقية نستشعرها يوميا، ويستشعرها معنا جميع الفاعلين والمواطنين أيضا بقوة أكبر.

ولا يتعلق الأمر هنا إلا بمحاولة أولية تستوجب تعميق النقاش. ولذا أدعوكم للتفكير المنفتح حول هذا الموضوع بشكل يرفع اللبس، ويحدد الاختيار بدقة، ويوضح الموقع.

وإنني أدعو جميع الفاعلين، حكوميين وغير حكوميين، للتقدم أيضا في هذا الاتجاه، لإعطاء معنى لأعمالنا، وجعل مهامنا أكثر وضوحا، وخصوصياتنا أكثر دقة، وذلك قصد تنظيم مجالات تكاملنا، واستخلاص أحسن النتائج من تعاوننا المنظم، وإظهار المشهد بغاية ما يكون التنظيم، حيث يصبح تنوع وتعدد الفاعلين تعبيرا عن غنى نعتز به، وانفتاحا نفتخر به، وتكاملا يرفع من مستوى الوقاية والحماية والنهوض بحقوق الإنسان، والتزاما مشتركا من الدولة والمجتمع لفائدة حقوق الإنسان.

وفقنا الله جميعا لما فيه خير بلدنا. «إن يعلم الله في قلوبكم خيرا، يؤتيكم خيرا». صدق الله العظيم. والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته.

رئيس المجلس

عمر عزيمان

أعلى الصفحة