الإصدارات

النشرة الإخبارية

  • تصغير
  • تكبير

الكلمة الإفتتاحية لرئيس المجلس السيد ادريس بنزكري

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد مستشار صاحب الجلالة

السادة الوزراء

السيد والي المظالم

السيدات والسادة أعضاء المجلس

حضرات السيدات والسادة،

اسمحوا لي في بداية هذا الاجتماع أن أرحب بالجميع وأن أشكر كل السيدات والسادة أعضاء المجلس على التعبئة المتواصلة للمشاركة والمساهمة في أنشطته، كما أشكر كافة نساء ورجال الإعلام على مواكبتهم الدائمة لعمل المجلس.

حضرات السيدات والسادة،

ينعقد هذا الاجتماع السادس والعشرون في نهاية السنة الرابعة والأخيرة لولاية التشكيلة الحالية للمجلس طبقا للظهير الشريف الذي أعاد تأسيسه في أبريل 2001. وبهذه المناسبة ودون الدخول في تفاصيل تقييم أداء المجلس خلال الولاية المنتهية، وهو ما كلفت به لجنة خاصة من أعضاء المجلس تحت إشرافي المباشر، أود فقط أن أقف عند بعض العناصر الأساسية التي تمكن من الوقوف عند التطور الحاصل في عمل المجلس، سواء من حيث الاختيارات المعتمدة في طرق ومناهج تدخلاته، أو من حيث الميادين التي فتح فيها أوراشا استراتيجية ومحورية في مسار توطيد دولة القانون والبناء الديموقراطي ببلادنا، كما لا يفوتني كذلك أن أثير الانتباه إلى الجوانب والمجالات التي لازالت تحتاج لمجهود أكبر من أجل أن تقوم مؤسستنا بكامل دورها في النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها.

حضرات السيدات والسادة،

لقد أصبح المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان عضوا متميزا ضمن العائلة الدولية للمؤسسات الوطنية لحماية حقوق الإنسان والنهوض بها، منذ إعادة تنظيمه وتشكيله بما أصبح يستجيب لمبادئ باريس الناظمة لهذا النوع من المؤسسات، فهو عضو نشيط باللجنة الدولية للتنسيق بين المؤسسات الوطنية، وحظي بشرف ترأسها من 2001 إلى 2004. كما أنه يشارك، بانتظام وفعالية، في كل المؤتمرات الدورية لهذه المؤسسات وفي المحافل واللقاءات الدولية ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بحقوق الإنسان. فقد أصبح، من حيث انسجام تكوينه واختصاصاته ودوره مع مبادئ باريس، وبمقاييس أخرى، يعتبر إذن مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، كما جاء في الخطاب الملكي السامي الأخير الموجه للأمة في 06 نونبر 2006. وقد استمد مجلسنا هذه المكانة المتميزة من التطور الحاصل في طرق ووسائل عمله، وانخراطه الوطني في توسيع نطاق الإصلاحات التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله. ولهذا الغرض ربط المجلس علاقات بناءة ومسؤولة مع كل الفاعلين في مجالات حقوق الإنسان من المجتمعين المدني والسياسي، من خلال سياسة قوامها الانفتاح والتبادل، مع الحرص على الحفاظ على استقلاليته.

وبهدف المساهمة في تفعيل المسار الديموقراطي، الذي انخرطت فيه بلادنا بعزيمة وقوة ثابتتين، عمل المجلس على تأمين مشاركة واسعة، في حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، تشمل مجموع الفاعلين في مجال ضمان الحريات وبناء دولة القانون، والفاعلين الاجتماعيين والإعلاميين والرأي العام. وينبغي التأكيد على أن دوره في ذلك لا ينتقص في شيء أبدا من دور ومسؤولية الدولة، ولا من دور المنظمات غير الحكومية وكل فعاليات المجتمع المدني، ولا من دور المؤسسات الوطنية الأخرى، كل في مجال تدخله، فالأمر يتعلق بمسؤولية مشتركة.

وفي هذا السياق، نسجل بارتياح كون هذا التوجه للمجلس يندرج ضمن الاتجاه العام للممارسة العالمية لعلاقات المؤسسات الوطنية بالدول، حيث غالبا ما تعتبر السلطات العمومية أن من واجبها دعم وتيسير عمل وأنشطة المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان. فالحوار المستمر بين الدولة، بكل مؤسساتها، والمجلس ساهم في تحقيق هدفين مباشرين: أولا، تفاعل الدولة من حيث إخبار واستشارة المؤسسة الوطنية والمجتمع المدني حول كل مجالات تدخلاتها وبرامجها المتعلقة بحقوق الإنسان. وثانيا، تمكين المجلس، وكذا المنظمات غير الحكومية، من إيصال مطالبها والمعلومات والمعطيات التي تتوفر عليها، من خلال احتكاكها بواقع حقوق الإنسان، وتقديراتها واقتراحاتها. فمثل هذا الحوار الهادئ والتعاون المثمر يفيد كثيرا الطرفين، حيث يمكنهما من الاستماع لبعضهما، والتفاهم، في إطار نوع من المنتدى الدائم المتمثل في هذه المؤسسة. إلا أنه ينبغي التشديد على أن هذا الحوار لا ينتقص كذلك في شيء من الحوار الذي ترغب كل من السلطات العمومية والجمعيات غير الحكومية في مباشرته بصورة مباشرة فيما بينهما. فالقيمة المضافة لكل مؤسسة وطنية، مثل المجلس، تتمثل في قدرتها الاقتراحية البناءة والواقعية، وفي توسيع المقاربة التشاركية لتشمل المجالات الاستراتيجية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتطور الديموقراطي للبلاد.

حضرات السيدات والسادة،

إن الدعم الملكي السامي لكل المبادرات التي اتخذها مجلسنا، خلال هذه الولاية، من إعداد ورفع الآراء الاستشارية والتوصيات والتقارير السنوية والموضوعاتية، جعلتنا نشتغل في أجواء من الثقة مستمدين قوتنا من التوجيهات السامية لجلالته، ومن المصداقية التي ما فتئ يحظى بها مجلسنا لدى كافة مؤسسات الدولة وفعاليات المجتمع المدني، وعلى المستوى الدولي. ويرجع الفضل في ذلك لجهود الجميع في الانخراط في مسار طي صفحة ملف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والعمل الرائد الذي قامت به هيئة الإنصاف والمصالحة في هذا الخصوص.

إن الديناميكية التي خلقتها هذه الأخيرة شكلت دليلا قويا على الإرادة السياسية الثابتة في السير قدما وبلا هوادة في مسارات توطيد حقوق الإنسان في بلادنا، وبينت بالملموس أن التعاطي مع هذه الأخيرة بإرادة سياسية واختيار وطنيين واضحين أصبح أمرا لا رجعة فيه. كما أنها طرحت بالنسبة للمجلس ضرورة الرفع من مستويات أدائه بتوظيف المقاربة والآليات التي تم تطويرها خلال عمل الهيئة، لا من حيث التحريات والتصدي للانتهاكات ولا من حيث عقد الشراكات وتوسيع نطاق الحوار الديموقراطي المجتمعي حول قضايا حقوق الإنسان التي تسائلنا. فالمقاربة أصبحت واضحة أكثر مما سبق، وما يبقى في حاجة للتطوير المضطرد يتمثل في التطبيقات العملية لها في مجالات اختصاص المؤسسة.

حضرات السيدات والسادة،

إننا نسجل بكامل الثقة والاعتزاز الجهود التي بذلها المجلس في إعداد تقريره السنوي حول حالة حقوق الإنسان ببلادنا والتقارير الموضوعاتية، وفي منهجية التصدي للانتهاكات ودراسة الشكايات الواردة عليه من الأفراد والجماعات وتطوير مقاربة التحريات فيها، أو فيما يخص أوجه التعاون مع الحكومة وكافة السلطات العمومية وديوان المظالم. فمناسبة إعداد التقرير السنوي أو التقارير الموضوعاتية ساهمت كثيرا في توطيد التعاون والتواصل مع مختلف مؤسسات الدولة وكافة السلطات المعنية في توفير المعطيات والوثائق المفيدة في إعداد تلك التقارير، وكذا في تقديم ملاحظاتها واقتراحاتها بخصوص هذه الأخيرة قبل اعتمادها من طرف المجلس وعرضها على النظر السديد لصاحب الجلالة حفظه الله.
كما نعتقد، وبكل تواضع، أننا توفقنا جميعا كمجلس في تدبير التعدد والاختلاف داخل مكونات المؤسسة بما جعل التنوع عامل غنى في الاقتراحات ومصدر قوة في التدخلات، سواء في مجال الحماية أو النهوض بحقوق الإنسان. كما أن هذا التنوع قد تعزز أكثر خلال ولاية هيئة الإنصاف والمصالحة، التي مكنت المجلس من الانفتاح على فاعلين آخرين غير ممثلين بالمجلس، من خلال مكونات الهيئة من أعضاء وخبراء، حيث أصبحوا شركاء أساسيين في العديد من الأنشطة التي لاتهم فقط مسلسل متابعة تفعيل توصيات الهيئة، ولكن أيضا تلك المندرجة ضمن الأنشطة المتواصلة للمجلس. وقد حرصنا في هذا السياق على تطوير مقاربة تشاركية، استمدت العديد من أسسها من تجربة الهيئة، لإشراك كل الفاعلين المعنيين بالقضايا التي تستوجب تملك الجميع لها، منذ بداية التصور إلى وضع البرامج والمشاريع ومتابعة تفعيل مقتضياتها وتقييمها، كما هو الشأن بالنسبة لمسار إعداد الخطة الوطنية للنهوض بثقافة حقوق الإنسان، أو في مجال مقاربة جبر الضرر الجماعي، أو ما نعتزم القيام به فيما يتعلق بوضع الميثاق الوطني للمواطنة. وكل ذلك بالترابط مع تفعيل التوصيات والأفكار المبلورة من قبل هيئة الإنصاف والمصالحة في مجال دعم الديموقراطية مؤسساتيا وتشريعيا. فطبقا لهذه المقاربة، يعمل المجلس ليس فقط على توسيع دائرة منتدى الحوار والتواصل، ولكن أيضا على تأمين تحمل الجميع للمسؤولية المشتركة كما سبق أن ذكرت.

حضرات السيدات والسادة،

مع كل ذلك، لا زالت تواجهنا العديد من التحديات التي ينبغي رفعها قصد العمل، بصورة مضطردة، على تطوير قدرات مؤسستنا في مجالات اختصاصها. وسوف يتم تحديد كل هذه التحديات والمشاكل التي ينبغي تقديم اقتراحات حلول بشأنها في التقرير الذي يتم إعداده والذي سيكون مفيدا في المرحلة المقبلة إن شاء الله من عمل المجلس. أود أن أشير فقط إلى البعض من هذه التحديات التي لا شك في أن الجميع يستشعرها والبعض قدم اقتراحات بخصوصها.

إن المجلس في حاجة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبعد استخلاص الدروس من التجربة السابقة، للرفع من مستوى قدراته المؤسساتية والتواصلية، لكسب رهانات التحديات المطروحة عليه.

كما تطرح على المجلس، تفعيلا لسياسة القرب، خلق أشكال وقنوات اتصال وتواصل على مستوى العديد من جهات ومناطق التراب الوطني، في مجالات حقوق الإنسان والتنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والبيئية قريبا من انشغالات السكان، وتأمين دعم المنتخبين والسلطات المحلية لها، وجعلها فضاءات خاصة، يتدخل فيها كل حسب مجال اختصاصه، ويساهم فيها المجلس في تأمين التنسيق في معالجة القضايا التي تهم تظلمات وشكايات المواطنين، أفرادا وجماعات، محليا، مما سيمكن من معالجة تلك القضايا باحتكاك مباشر مع أصحابها تعزيزا لسياسة القرب في هذا المجال، قصد الاطلاع المتواصل والمباشر على المشاكل والقضايا التي تسائل مجالات تدخل كافة المؤسسات الوطنية.

حضرات السيدات والسادة،

إن إحدى التحديات الأخرى التي تسائل عملنا، تهم طبيعة ومستويات التنسيق والتعاون بين مختلف الأطراف والفاعلين في مجالات إعداد التقارير الدورية التي تقدم للجان المعنية، والمحدثة بموجب اتفاقيات حقوق الإنسان، وكذا موضوع التنسيق في مجال المشاركة الوطنية في المحافل والمؤتمرات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.

ومن أجل تأمين احترام دورية تقديم التقارير المذكورة والرفع من مستوى جودتها شكلا ومضمونا، من جهة، وللرفع من أداء مشاركة بلادنا في الأجندات العالمية لحقوق الإنسان، من جهة أخرى، نقترح إحداث خلية ينسقها كل من وزارة العدل، القطاع الحكومي المكلف بحقوق الإنسان والمجلس، كمؤسسة وطنية لحماية حقوق الإنسان والنهوض بها، وعضوية كل من وزارتي الداخلية والشؤون الخارجية، وممثلين عن الجمعيات غير الحكومية، وخبراء في تخصصات مختلفة من حقول حقوق الإنسان، لمتابعة مسار إعداد التقارير المذكورة، من حيث المنهجية والمواضيع التي يشملها التقرير المعني، وكذا توفير الخبرة والكفاءات اللازمة للمشاركة في صياغتها، والقيام بدور التنسيق ودعم القدرات بالنسبة للوفود المشاركة في المحافل والمؤتمرات الدولية المذكورة. وقد قمنا، في هذا الإطار، بإعداد مقترحات لبرنامج تكويني لتعزيز المؤهلات والإمكانات في هذا المجال، في إطار أنشطة مركز التوثيق والإعلام والتكوين في مجال حقوق الإنسان.

فالتنسيق والتعاون على هذه المستويات أصبح اليوم حاجة ملحة للمكانة التي تبوأتها بلادنا، عبر العالم، بالنظر للإصلاحات والمكتسبات التي راكمتها في مجال حقوق الإنسان. فكل المجهودات الوطنية المبذولة في هذا النطاق ينبغي أن تحظى بكل الدعم الدبلوماسي التقليدي والموازي لكي تجد لها الصدى المطلوب على المستوى العالمي. وقد كانت لنا في تجربة التعريف بمضامين التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة وتوصياتها، وفي دعم ترشيح بلادنا للعضوية في مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة، فرصا مناسبة لاستخلاص الدروس والعبر مما ينبغي العمل على تطويره في هذا المجال.

حضرات السيدات والسادة،

إن تجربة الأربع سنوات الأخيرة للمجلس كانت غنية بالعطاء في العديد من المجالات، وعلى رأسها معالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان طبقا لمقاربة شمولية مكنت من إطلاق ديناميكية جديدة في مجال توطيد الإصلاحات والمكتسبات التي حققتها بلادنا في مجال حقوق الإنسان والبناء الديموقراطي، وكرافعة لمواصلة معالجة ملفات أخرى كالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. وقد كان لنجاحاتنا في تلك المجالات دور في تزايد الثقة والمصداقية في مجلسنا.

حضرات السيدات والسادة،

يشكل التكليف الملكي السامي بتنظيم الاستشارات اللازمة مع كل الأطراف المعنية قصد رفع رأي استشاري لجلالته، بخصوص تشكيل مجلس أعلى للجاليات المغربية بالخارج، أقوى دعم جديد للمجلس كمؤسسة وطنية مستقلة وتعددية.

وإذ يعتبر هذا التكليف السامي تشريفا للمجلس، فإنه يضع مسؤولية جسيمة عليه. ولنا كامل الثقة في الخبرة والتجربة التي راكمتهما مؤسستنا لتقديم رأي استشاري يكون عند مستوى التكليف الملكي السامي.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

رئيس المجلس

إدريس بنزكري

أعلى الصفحة